محمد أبو زهرة

397

المعجزة الكبرى القرآن

البيانية والبلاغية للألفاظ القرآنية ، وقد حاول في اللغة الفرنسية بعض العلماء الأوربيين المتخصصين في العربية ترجمة القرآن برتبته البلاغية ، فقضى في محاولة ترجمة آية مدة طويلة وأثبت دون ذلك . ( د ) وأن القرآن الكريم له عدة قراءات متواترة ، وكل قراءة ، وهي متلاقية في معانيها ، وليست يقينا متضاربة ، بل إن بعض القراءات تزيد معاني عن القراءة الأخرى ، أو توجه معناها في اتساق محكم دقيق لا خلل فيه ، بل لا يتصور قط أن يكون فيه خلل ، وإن التفسير المحكم هو الذي يذكر ذلك التلاقى . فمثلا قوله تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] فقد قرئت بضم الفاء ، وهي تدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام من العرب أنفسهم ، وليس غريبا عنهم ، وقرئت بفتح الفاء ، وهي تدل على أنه من أعلاها نسبا وخلقا ومكانة وشرفا ، وبضم القراءتين يكون المعنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام من أعلى العرب . هذه بعض الأسباب التي توجب أن يكون للقرآن تفسير ، وإن كان بينا مفهوما ، وهناك وجه للتفسير لا بد من الإشارة إليه ، وهو بيان الأسرار التي تضمنتها ألفاظ القرآن ، وتضمنها علم الكتاب من غير إرهاق للألفاظ ، ولا إعنات لمعانيه . وإن من كتب التفسير ما حاول الكاتبون لها بيان الأسرار البلاغية في بعض ألفاظ القرآن كالزمخشرى كما أشرنا ، ومن جاء بعده من المفسرين الذين نهجوا منهاجه وزادوا عليه ، وقالوا في آيات مثل قوله . وثمة آيات لم يتعرض لبيان أوجه البلاغة فيها . مناهج التفسير : 246 - إن المناهج في التفسير تختلف باختلاف ما يستعين به المفسر من مصادر التفسير ، وإن الذي يمكننا أن نحصيه من مصادر التفسير للقرآن أربعة : ( أولها ) المأثور عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ( ثانيها ) المأثور من أقوال الصحابة الكرام ، وتلاميذهم الذين اتبعوهم بإحسان ، ونقلوا تفسيرهم ، كمجاهد الذي نقل عن ابن عباس رضى اللّه عنهما ، ( ثالثها ) اللغة ، إذ هي في ذاتها أداة التعبير ، ولا يمكن الاستغناء عنها في أي منهاج من مناهجه ، فهي لا تعد مصدرا مستقلا ، إذ هي تدخل في كل المصادر . ( رابعها ) الرأي وهو يعتمد ابتداء على اللغة ، وعلى مصادر الشريعة ومواردها ومراميها ، وغاياتها وأسرار القرآن ، وتعرف وجوهه . ولا شك أن اللغة هي الأساس الأول لكل هذه المصادر ، ولا نقصد باللغة ما تومئ إليه المعاجم فقط ، فإن تفسير النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يمكن أن يكون مخالفا للعربية ومعانيها ، لأنه العربي الذي ينطق بجوامع الكلم ، وليس في الكلام العربي ما يكون أصدق مصدر للاستعمال العربي الصحيح من أقوال النبي صلّى اللّه عليه وسلم .